يحيي بن حمزة العلوي اليمني

191

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

واعترف بكون الاستعارة مجازا ، وهما سيان في أن كل واحد منهما دال على معنى يخالف ما دل عليه بأصل وضعه . دقيقة اعلم أن التفرقة بين الكناية والاستعارة ظاهرة ، وذلك أنك إذا قلت جاءني الأسد ، ورأيت أسدا فهذا وما شاكله تجوّز بالاستعارة فأنت إذا أطلقته فالمراد به حقيقته وهو السبع فلا تحتاج فيه إلى قرينة ، وإذ أردت به الشجاع فأنت تحتاج فيه إلى قرينة ، فهما بالحقيقة وضعان ، أحدهما مجاز ، والآخر حقيقة ، فمتى أفاد الحقيقة فإنه لا يفيد المجاز ، ومتى أفاد المجاز فإنه لا يفيد الحقيقة ، بخلاف الكناية ، فإنها إذا أطلقت فالمعنيان أعنى الحقيقة والمجاز مفهومان معا عند إطلاقها ، ومثالها قولنا : فلان كثير رماد القدر ، فإنك قد استعملت هذه الألفاظ في معانيها الأصلية ، وغرضك في إفادة كونه كثير رماد القدر إفادة معنى آخر يلزمه ، وهو الكرم ، وهكذا في قوله تعالى : أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ [ النساء : 43 ] فإنك قد أفدت به موضوعه اللغوي بالأصالة ، لكنه قصد به معنى آخر وهو الجماع ، فهما مفهومان عند الإطلاق لكن أحدهما حقيقة والآخر مجاز كما قررنا ، فقد وضح الفرق بينهما بما أشرنا إليه ، نعم هذا هو الذي غر ابن الخطيب حتى أبطل كون الكناية مجازا ، فإنه لما كان معناها اللغوي مفهوما عند استعمال كونها مجازا في غيره ، أبطل مجازها ، وظن أن كون معناها اللغوي مفهوما عند استعمالها في مجازها يزيل كونها مستعملة في المجاز ، وليس الأمر كما زعمه ، بل هما مفهومان معا . فأما ابن الأثير ، فهو وإن قال إن الكناية من باب الاستعارة ، لكنه أحسن حالا من ابن الخطيب ، فإنه بقوله هذا لم يخرجها عن حد المجاز وحكمه ، لأن الاستعارة من باب المجاز ، فكما أن الاستعارة لا تكون إلا بحيث يطوى ذكر المستعار له ، فهكذا حال الكناية ، فإنها لا تكون إلا حيث يكون ذكر المكنى عنه مطويا فيه ، فإذن حاصل الكلام في الكناية ، أن يتجاذبها أصلان ، ثم ذانك الأصلان يستحيل فيهما أن يكونا حقيقتين ، لأن ذلك هو اللفظ المشترك ، وباطل أن يكونا مجازين ، لأن المجاز فرع على الحقيقة كما مر بيانه ، وإذا كان فرعا على حقيقة نقل عنها ، فإنها لا تنزل إلا على تلك الصورة المنقولة بعينها من غير زيادة ، فكما أن المجاز نفسه لا يكون له حقيقتان ، فهكذا حال المجازين لا يصدران عن حقيقة واحدة ، فإذا بطل هذان القسمان لم